فخر الدين الرازي
174
تفسير الرازي
الاختلاف في الدين ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) * ( يونس : 32 ) والثاني : أنه نهى عن المعاداة والمخاصمة ، فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على المحاربة والمنازعة فنهاهم الله عنها الثالث : أنه نهى عما يوجب الفرقة ويزيل الألفة والمحبة . واعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد والباقي في النار فقيل : ومن هم يا رسول الله ؟ قال الجماعة " وروي " السواد الأعظم " وروي " ما أنا عليه وأصحابي " والوجه المعقول فيه : أن النهي عن الاختلاف والأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحداً ، وإذا كان كذلك كان الناجي واحداً . المسألة الثانية : استدلت نفاة القياس بهذه الآية ، فقالوا : الأحكام الشرعية إما أن يقال : إنه سبحانه نصب عليها دلائل يقينية أو نصب عليها دلائل ظنية ، فإن كان الأول امتنع الاكتفاء فيها بالقياس الذي يفيد الظن ، لأن الدليل الظني لا يكتفى به في الموضع اليقيني ، وإن كان الثاني كان الأمر بالرجوع إلى تلك الدلائل الظنية يتضمن وقوع الاختلاف ووقوع النزاع ، فكان ينبغي أن لا يكون التفرق والتنازع منهياً عنه ، لكنه منهي عنه لقوله تعالى : * ( ولا تفرقوا ) * وقوله * ( ولا تنازعوا ) * ولقائل أن يقول : الدلائل الدالة على العمل بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله * ( ولا تفرقوا ) * ولعموم قوله * ( ولا تنازعوا ) * والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( واذكروا نعمة الله عليكم ) * واعلم أن نعم الله على الخلق إما دنيوية وإما أُخروية وإنه تعالى ذكرهما في هذه الآية ، أما النعمة الدنيوية فهي قوله تعالى : * ( إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قيل إن ذلك اليهودي لما ألقى الفتنة بين الأوس والخزرج وهم كل واحد منهما بمحاربة صاحبه ، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يزل يرفق بهم حتى سكنت الفتنة وكان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم ، فوقعت بينهما العداوة ، وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام ، فالآية إشارة إليهم وإلى أحوالهم ، فإنهم قبل الإسلام كان يحارب بعضهم بعضاً ويبغض بعضهم بعضاً ، فلما أكرمهم الله تعالى بالإسلام صاروا إخواناً متراحمين متناصحين وصاروا إخوة في الله : ونظير هذه الآية قوله * ( لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) * ( الأنفال : 63 ) . واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معادياً لأكثر الخلق ، ومن كان وجهه إلى خدمة الله تعالى لم يكن معادياً لأحد ، والسبب فيه أنه ينظر من الحق إلى الخلق فيرى الكل أسيراً في قبضة القضاء